منذ الخمس سنوات ونصف وأثناء اجتياح إسرائيلي موسع لمدينة بيت لحم في الضفة الغربية تم محاصرة مجموعة المقاومين الأبطال داخل كنيسة المهد في بيت لحم مدة أربعين يوماً .. سطروا من خلالها كل معاني الصمود والمقاومة في وجه الأعداء الذين حاربوهم بكل الوسائل من أجل استسلامهم والقضاء عليهم ولكن دون جدوى ..
ومن خلال تلك الفترة شهد العالم مدى صلابة المقاوم الفلسطيني وتمسكه بأرضه ودفاعه المستميت عنها .. ولكن كانت المفاجأة للجميع أن انتهى ذلك الحصار البطولي المشرف بمهزلة كبرى تمت كصفقة يدفع ثمنها هؤلاء الأبطال .. وأي ثمن ؟ .. إنه الإبعاد عن أرض الوطن والمدينة دونما أي حقوق إنسانية تذكر ودونما أي تقدير من هذا العالم البغيض لإنسان مقاوم من حقه الدفاع عن أرضه ووطنه .. فأبعدوهم دون حتى أن يسمح لهم بتوديع ذويهم أو لمس أياديهم .. كان من بينهم المصاب والجريح .. وكانت قسوة هذا العالم الذي يناصر العدو هي أكبر حتى من أن يتلقى الجرحى أي علاج يذكر ..

محمد سعيد .. هذا البطل الأسطوري الذي سجل أروع آيات النضال والبطولة وهو يقاوم العدو بجوار كنيسة المهد ببيت لحم .. يشاء القدر بأن يصاب .. ويلجأ إلى كنيسة المهد بشظايا تمكنت من عبور جسده الطاهر .. وإصابات لم تبرحه آلامها فعانى الكثير والكثير .. ساومه الاحتلال وطالب بخروجه من الكنيسة وهو يحمل معه لائحة بأسماء المقاومين داخل الكنيسة .. وذلك مقابل أن تتم معالجته من الإصابة ولكنه أبى ذلك وواجه قدره وآلامه بكل صبر وجلد .. وكانت لديه أهون من إجابة العدو مطلبه ..
وكان محمد سعيد ممن أدرج أسماءهم بالإبعاد إلى الدول الأوروبية ليلاقوا حصاراً أعنف وأشد على نفوسهم من حصارهم داخل الكنيسة وسط زخات الرصاص والقذائف الإسرائيلية والكلاب المدربة وقطع للمياه والكهرباء ومنع دخول الأدوات الطبية الأدوية والمواد الغذائية واستخدام أصوات الضجيج وأشياء أخرى كثيرة لا يستطيع تحملها بشر ..
ترك محمد سعيد مخيم الدهيشة محل سكناه .. ترك والده ووالدته وإخوته ورفاقه .. زوجته وأطفاله الثلاثة الذين أبعد عنهم قسراً.. وحمل غصة في حلقه ومرارا لم يحلو بعد ذلك اليوم أبداً .. حمل شوقاً لا ينضب لحضن الوطن والأهل والأحباب الذين حرم منهم فجأة وما كان ذنبه إلا أن دافع عن وطنه .. حمل آمالا ربما تتحقق بوعود كاذبة بعودة قريبة إلى حضن الوطن ..
مر العام تلاحقه الأعوام .. والوعود لم تتحقق والوضع المؤقت أصبح دائم .. الشظايا لازالت تعانق جسد محمد سعيد .. لم تبرحه حتى الآن .. والإصابات تشهد آثارها على تضحياته الجسيمة دون أي مقابل ..
شعر كبقية إخوانه المبعدين بأنهم خدعوا وأن ملفهم أصبح طي النسيان .. فهم في تلك الدول لا يعاملوا كأبطال يستحقوا الاحترام بل كإرهابيين .. فكانت حياتهم هناك حياة تعيسة تخضع لعدة ظروف سيئة وقاسية .. ولكن بقي الأمل بالعودة يحيا في قلوبهم على امتداد كل تلك السنين ..
الحنين إلى الوطن هو التلاحم الروحي الدائم بين الوطن والإنسان .. فمن منا يستطيع نسيان وطنه .. أو القبول بالحياة الدائمة بعيداً عنه .. أو حتى الموت في أرض الغربة بعيداً عن الأهل والأحباب ..
الآلام المبرحة بدأت تداهم جسد المبعد محمد سعيد منذ فترة .. فتوجه للمستشفى لإجراء كشف طبي ليكتشف من خلاله بأن لديه خلايا سرطانية في منطقة المثانة .. فتم إجراء عملية أولية له ..
أصبح يعاني الآلام الشديدة للمرض .. تعانقها آلام الوحدة والغربة والإهمال الطبي واللامبالاة المتعمدة من قبل مسئولي الأمن الإيطاليين الذين يمنعون مغادرته للمدينة المتواجد فيها إلا بإذن منهم ويخضعونه كزملائه إلى رقابة وحراسة مشددة ..
وبات المبعد محمد سعيد يقاوم آلام المرض بإبر المسكنات التي يتعاطاها يومياً وتبلغ قيمة الإبرة الواحدة منها 150 يورو ..وأبلغه رجال الأمن بأنه لا يمتلك تأمين صحي وبأنه غير مسموح له بالعلاج إلا على نفقته الخاصة .. وحيث أن مرض السرطان ينتشر سريعاً في جسد الإنسان فقد أصبح وضع محمد الصحي لا يحتمل مزيداً من الوقت لتحقيق حلم العودة .. كما أنه لا يستطيع تحمل نفقات العلاج بإيطاليا ..
أصبح الوضع المعيشي للمبعد محمد سعيد صعب للغاية فهو الآن مريض يحتاج إلى علاج مستمر كي يتشافى .. يحتاج إلى من يرعاه ويخفف عنه آلامه ويقف بجانبه في تلك المحنة التي تزيد من عناء الغربة والإبعاد والحنين إلى الوطن والأهل والأبناء ..
أيقنت مجموعة من الشباب بأن لهذا المبعد حق على أبناء شعبه .. فهو من ضحى بدافع الوطنية بحياته وحريته وأصبح رهن الإبعاد من أجل الوطن .. ومن أجل أن يحيا شعبه بكرامة .. فأصبح الآن يعيش في إيطاليا بدون أن يحق له أي تواصل مع شعبه ووطنه وذويه .. يتعذب وحيداً دون أن يحصل على أبسط حق له وهو العلاج ..
انطلقت الحملة الإنسانية لدعم ومناصرة عودة المبعد محمد سعيد .. بمشاركة عدد من المؤسسات ومجموعة الشباب والمجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان .. إنها خطوة صادقة تطوي كل المسافات وتبعث الأمل في نفوس اشتاقت العودة ورفضت أن يكون مصير الفلسطينيين الموت في الغربة أو بسلاح الأعداء ..
وستباشر تلك الحملة بإطلاق عدة أنشطة وفعاليات ميدانية لتفعيل القضية على مختلف المستويات للضغط على كافة المعنيين لإيجاد حل عاجل من أجل تقديم العلاج الفوري اللازم لمحمد سعيد ..
بدأت الحملة بتصميم شعار لها وإنشاء موقع اليكتروني أسمته منفى .. ودعت إلى المشاركة في الاعتصام الذي ستعقده أمام برج الشوا والحصري للتضامن مع المبعد محمد سعيد ..
الحملة الإنسانية تطالب بدعم وعودة هذا المناضل المبعد والمحاصر مابين الغربة والوحدة والمرض وسرعة علاجه .. والعمل بشكل سريع جداً سواء من الرئاسة أو الحكومة الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي من أجل عودة المبعد محمد سعيد إلى أهله كي يكونوا بجانبه ولكي ترتفع معنوياته حيث أنه يعاني الكثير ولا يسمح له بأي تصريح للإعلام ..
قضية محمد هي قضية إنسانية يتطلب من كل فلسطيني حر أن يتحرك بكل قوة من أجل عودة المبعد محمد سعيد إلى وطنه ..








said:

said:

said:



said:

said:


said:


said:





said:


























من فلسطين