بسم الله الرحمن الرحيم ..


أما الإبعاد فهي الموت البطيء للمجاهد ..
ليس أسوأ من لحظة تمر على الإنسان يحرم فيها النظر أو الاطمئنان على ذويه أو التمتع بشرف البقاء على أرض الوطن والذود عن حيضه ..
شعوري بالغصة والألم والحزن على كل مبعد فلسطيني وذويه نابع من تجربتي المريرة التي تتجسد أمامي كلما تذكرت كل مبعد قد حرم حق الإقامة على أرضه والاحتماء بسمائها وتنسم هوائها ..
وللثاني من ابريل عام
بعد مرور ساعتين من المعاناة تمكن المقاومين من دخول الكنيسة وقد كان بينهم العديد من الجرحى وكان يعانى البطل القائد جهاد جعارة من إصابة في قدمه التي اضطر لأن يتخلى عنها حتى لا يقوم جيش الاحتلال باعتقاله ..
اشتد الحصار على الكنيسة وعلى البلدة القديمة التي حاصرها الصهاينة بالكامل وسط معاناة تزيد يوما بعد يوم بانقطاع الطعام والشراب والدواء والكهرباء وحتى الإسعافات للجرحى .. انقطعت كل مقومات الحياة الطبيعية عن الكنيسة التي تقدر مساحتها بألف كيلو متر مربع ..
حاول الصهاينة اقتحام الكنيسة بمحاولات تبوء بالفشل في كل مرة لشراسة وتصدي الأبطال وقوة صمودهم ..
في اليوم الثاني استشهد قارع الأجراس في الكنيسة سمير سلمان على يد فناص إسرائيلي أثناء محاولة اقتحام فاشلة ..
في اليوم الثالث تقهقر الجيش الصهيوني طالبا من البطل القائد جهاد جعارة تسليم نفسه لتقديم العلاج له ولكنه أجابهم الموت بكرامة ولا الاستسلام .. كما طلب بعض قادة السلطة الفلسطينية التفاوض على إنهاء الحصار ولكن الصهاينة رفضوا ذلك ..
في اليوم الرابع اتخذ المقاومين مواقعهم بداخل الكنيسة تخوفا من اقتحام العدو لها لحراستها على فترات وامتثالا لأمر الرئيس عرفات بعدم إطلاق النار احتراما للمكان المقدس حيث كان بإمكانهم قتل العديد من الصهاينة ..
توالت محاولات الصهاينة باقتحام الكنيسة مما أدى إلى اشتباكات مع المقاومين الذين استولوا على بعض الذخيرة والقنابل اليدوية والسترات الواقية مما أثر على قادة الجيش الصهيوني تأثيرا بالغا فأمروا بإضرام النيران داخل الكنيسة التي اشتعلت داخل ثلاث غرف للرهبان وأثناء محاولة المواطنين المحتجزين إطفاءها استهدف قناصة صهيوني أحد أفراد الشرطة بطلقة في وجهه أدت إلى استشهاده على الفور .. وضع الشهيد داخل أحد الصناديق التي قام بصناعتها الرهبان وأبقوه داخل الكنيسة ..
بدأ الاستياء المسيحي والعالمي من عملية الحصار فالوضع يزداد سوء في ظل تعنت إسرائيل بعدم إجراء مفاوضات مع المقامين أو السلطة الفلسطينية .. كما بدأت إسرائيل بإصدار أشرطة فيديو وثائقية تشوه سمعة الفلسطينيين وتبثه عبر أجهزة الإعلام الأجنبية مما زاد من تأثر المسيحيين بقضية الحصار في ظل انعدام التفاوض على إنهائه ..
تحرك رجال السلام الأجانب محاولين دخول الكنيسة لمساعدة الفلسطينيين مما عرضهم لإطلاق نار صهيوني قد أصاب العديد منهم وقد بقى هؤلاء داخل الكنيسة ليكونوا آخر من خرج منها بعد فك الحصار..
بدأت إسرائيل في محاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ليجذب حصاره الاهتمام ويصبح حصار الكنيسة أمرا جانبيا للعالم ..
بدأ كولن باول وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بزيارة المنطقة والاجتماع مع عدد من رؤساء الكنائس بالقدس لحل قضية حصار الكنيسة إضافة إلى متابعته لأمر حصار الرئيس عرفات ..
بدأت قوات الاحتلال الصهيوني بالاتفاق مباشرة مع المجاهدين من أجل فك الحصار وذلك من خلال اتصال الحاكم العسكري الصهيوني لمدينة بيت لحم بالقائد إبراهيم عبيات ولكن عبيات رفض محادثته وأغلق الهاتف في وجهه مما دفع بقوات الاحتلال إلى الإيتاء بأمه وأخيه وأخته في دباباتهم للضغط عليه من أجل تسليم نفسه ومن معه من المقاومين فما كان من الأم المجاهدة الصابرة إلا رفضت أن تطلب ذلك من فلذة كبدها ولو كان ذلك يؤدي إلى قتلها فأحضر الاحتلال أهالي بعض المقاومين مستخدمين ذات الطريقة فكان ردهم جميعا بالرفض ..
بدأ الفاتيكان بالتحرك والتوسط لإنهاء الحصار في أقرب وقت ممكن ..
أوكل المقاومين أبو عمار أمر التفاوض عنهم وبدأت المفاوضات بدخول أمريكا وبريطانيا والمتحدثين باسم الفاتيكان بالدخول في المفاوضات بين الرئيس أبو عمار وشارون وبموافقة إسرائيل قام بعض القادة الفلسطينيين بمهام الرئيس المحاصر للتفاوض مع الأطراف ..
وقد كان أول طلب إسرائيلي هو قائمة بأسماء المطلوبين داخل الكنيسة مما أفشل المفاوضات برفض الفلسطينيين لهذا الطلب وجعل إسرائيل تهدد باستخدام القوة فزادت من حصارها على الكنيسة إضافة إلى تحليق مكثف لطائراتها فوق الكنيسة وجلب الكلاب المدربة للنباح مع إطلاق الرصاص واستخدام صوت الطنين المدوي ..
بعد يومين من هذه العملية استشهد القائد عصام جبابرة أحد المطلوبين لقوات الاحتلال ..
وفي اليوم الرابع والعشرين من الحصار حصل تقدم طفيف حيث تحركت المفاوضات فسمحت إسرائيل بخروج الجثتين وتسعة صبية من الكنيسة وقد قامت باعتقال أحد الصبية للتحقيق معه ولكنه صمد فلم يفيدهم بشيء ..
أصدرت إسرائيل قائمة بسبعة أسماء اعتبرتهم من أخطر المطلوبين لديها ولكن رفضت السلطة تسليمهم لها أو إبعادهم إلا إلى غزة حيث أن غزة جزء من فلسطين ..
كل ذلك يحدث ونحن لا نعلم ماذا يحدث مع المبعدين داخل الكنيسة كيف يعيشون وكيف هي حياتهم بلا ماء ولا طعام ولا كهرباء كيف صمدوا كل تلك المدة بثباتهم وإيمانهم وقوة صمودهم ورباطة جأشهم ..
كانوا يلتقطون العشب الأخضر ويطهونه بماء وملح تكون مثل شوربة تقسم بموجب كأس للشخص الواحد كل أربعة وعشرين ساعة وقد كان طعمه شديد المرارة أما الماء فكان بالتنقيط حيث انه كل شخص كان يتوجه لجلب الماء يعود إما شهيد أو جريح بفصل القناصة الإسرائيليين المتمركزين حول الكنيسة ..
جعلت إسرائيل الغذاء مقابل أسماء من بداخل الكنيسة من المطلوبين ولكن جوبهت برفض من الفلسطينيين ..
من خلال الرعاية الأمريكية والبريطانية بدأت الحلول بإنهاء حصار الرئيس أبو عمار في المقاطعة و بدأت قوات الاحتلال الانسحاب خارج مقر المقاطعة ليخرج الرئيس غير آبه بما حدث له متسائلا عما يحدث في الكنيسة ..
وقد كلف الرئيس أبو عمار المفاوضين الفلسطينيين بالتوجه بالغذاء والدواء للكنيسة مطالبين بدخولها ولكن مسئول المخابرات الصهيونية في الضفة الغربية رفض دخولهم لرفضهم الدخول مقابل قائمة بالأسماء الموجودة داخل الكنيسة كما أبلغهم بأنه يجري في تلك اللحظات اجتماع فلسطيني إسرائيلي أمريكي لحل قضية الكنيسة .. هذا مما أثار غضب المفاوضين ودفعهم لتقديم استقالتهم للرئيس ..بدأ الرئيس بالاتصال مع عدد من القادة العرب لاستكمال المفاوضات دون جدوى ..
قام رجال الشرطة المحتجزين داخل الكنيسة بتهديد القائد عبيات بإنهاء مسألة الحصار حتى لو سلموا أنفسهم لقوات الاحتلال معللين ذلك بأن تلك ليست هي مشكلتهم وأن عبيات ورفاقه هم المطلوبين وعليهم أن ينهوا القضية بأسرع وقت ممكن ..
بدأت القضية تأخذ منحنى آخر للحل وذلك بمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي قام بها مستشار الرئيس أبو عمار محمد رشيد وكانت أولى الخطوات التي قام بها هي تسليم قائمة بأسماء المتواجدين داخل الكنيسة بعد استلام عماد النتشة للقائمة سرا من باب الكنيسة ..
القائمة أصبحت في أيدي الأعداء فبدأت المفاوضات مع المقاومين على إبعاد 39 منهم وذلك بموافقة رسمية منهم بناء على طلب أبو عمار الذي تعرض لضغوط دولية شديدة خاصة بعد اختفاء محمد رشيد زعيم المفاوضات الذي اقترح إبعادهم وتقديم لائحة بأسمائهم فكان هو المسئول الأول عملية الإبعاد ..
بقى الآن خروج الأبطال من الكنيسة وليس لهم سوى مطلب واحد فقط لا غير وهو توديع أهلهم وذويهم قبل مغادرة أرض الوطن ولكن الرفض الإسرائيلي كان الجواب لمطلبهم ..
في تاريخ 10/5/2002 تم إنهاء الحصار بقرار الإبعاد الذي أقرت إسرائيل بأنه لن يتجاوز العامين وذلك بإبعاد ثلاثة عشر مجاهدا إلى الدول الأوربية بنقلهم عبر طائرة عسكرية بريطانية نقلتهم من مطار بونجريون إلى قبرص ومن ثم إلى باقي الدول الأخرى ..
وإبعاد 26 مجاهد إلى قطاع غزة كمنفى داخلي لهم وكان ذلك عبر حافلات وصلت غزة وسط احتفال جماهيري بكل حفاوة وترحاب ..
بكل عزة وشموخ خرج الأبطال ليقبلوا أرض الوطن مودعينها رافعي أيديهم لأهلهم وذويهم الذين يقفون على بعد مئات الأمتار يشاهدون أبنائهم يخرجون متوجهين إلى غزة وبلاد متفرقة أخرى على موعد بأن يعودوا إلى بيت لحم بعد عام ومر العام تتبعه الأعوام والجميع عن قضيتهم متنصلين ونيام ..
وقد عانى المبعدون إلى الدول الأوربية من حياتهم في الغربة حيث أن معظمهم يعيش في معسكرات للجيش أو في مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية بالإضافة إلى فرض الحصار عليهم وهم أيضا يقطعون مسافات طويلة جدا للحصول على مكالمات مع ذويهم ويعيشون على أمل العودة ..
وبكل تأكيد استطاع بعض المبعدين خارج الوطن أن يستقبل ذويه بدون أي تعقيدات واستضافتهم في المنفى مع توفير حقهم في التعليم والعلاج ليجدوا أنفسهم مبعدين تلقائيا ...
وربما كان المبعدين إلى غزة أفضل منهم حالا حيث أنهم وان حرموا ذويهم بسبب إغلاق المعابر وعدم السماح لهم بالعودة إلا أنه استطاع بعضهم الالتقاء بذويهم الذين غادروا للأردن ومن ثم مصر ومن ثم القطاع ..
إنهم يعيشون على ثرى فلسطين وتحت سمائها ولكنهم يعيشون غرباء فهم منفيين لأرض الوطن ..
كما أنه في ظل الاجتياح والحصار الإسرائيلي لقطاع غزة يعاني المبعدين سوء الأوضاع المعيشية ..
إلى متى سيظل هؤلاء الأبطال منسيين إلى متى سيظل شعبي يكابد نار الإبعاد ..
والدي أبعد وتوفي بعيدا عن أرض الوطن وعمي ظل مطاردا إلى أن توفي خارج الوطن ..
لم نكن نعرف شكل أبي ونحن صغار كانت أمنيتنا الوحيدة هي رؤيته أو رؤية صورة له أو حتى سماع صوته ..
لم نكن نعرف هل هو على قيد الحياة أم لا .. عانت والدتي وكابدت لتربيتنا وإنشاءنا نشأة تليق بفلسطيننا ..
تلك الضريبة التي ندفعها حبا لفلسطين .. لكن لن نهين ولن نلين وسنبقى ما بقي الرحمن وحتما ستعود ..





http://www.palintefada.com/song/songs/ram/e3tesam/rag3een.ram







said:

said:

said:
said:
said:

said:



said:

said:


said:


said:





من الأردن