بسم الله الرحمن الرحيم
في بعض الأحيان يحتاج الانسان الى أن يلقي بحمل ثقيل عن كاهله .. ربما كان ذلك الحمل محدود النطاق وربما كان عبارة عن عدة أشياء تزيد او تنقص حسب الحياة التي تدور من حوله .. ولكن هذا حمل يمتد لعالم بأكمله يبتدىء من النواة التي تطوقه الى امتداد الكرة الأرضية بأسرها ..
أحياناً أشعر بأن هذا العالم على مقربة شديدة منا وأحياناً أجده بعيد كل البعد ..
يطوقني في تلك الأيام شعور بالاختناق .. حاولت الابتعاد عنه بقراءة القرآن والدعاء ولكن غلبني النوم لأحلم بأن العدو الصهيوني قد تمكن منا وحكم علينا جميعاً بالإعدام .. وفعلاً بدأ بتنفيذ حكمه بإطلاق النار على الأفراد واحداً تلو الآخر .. شعرت بأني متشوقة لأن أرحل عن هذا العالم وأمارس الحرية بعيداً عن كل البشر .. ولكن كان يدور في رأسي الكثير والكثير من الأسئلة .. ما أحزني حينها هو شعور قد تملكني بأني مقصرة في حق الجميع بعدم سؤالي عنهم والتواصل معهم ..
لذلك استيقظت من نومي وأنا متخذة قراري بأن أذهب إليهم لأسعد بقربي منهم .. وبالفعل كانت تلك هي زيارتي لأهلي وأقاربي والذين هم أيضاً جيراني .. لم أتذكر منذ متى كانت آخر زيارة لي ومتى تقابلنا ..
قرأت سورة الكهف وسورة ياسين وذهبت إليهم لأجد الفرحة في عيونهم وقلوبهم .. كانوا جميعاً بانتظاري حيث أن ابنتي الصغيرة قد سبقتني إليهم .. السعادة دفعتني للتساؤل أين كنت أنا .. وكيف سرقت مني أيامي ؟
كان الوقت عند صلاة الجمعة .. وكانت هي تطبخ طعام الغذاء ( الفتة ) هذا الطعام عبارة عن خبز الرقاق يسقى بالمرق (ماء الدجاج المسلوق ) ويصف على وجهه اللحم أو الدجاج .. كانت توقد الحطب كي تقوم بخبز الفراشيح (الرقاق) .. جلست أنظر إليها وأنا أتساءل من أين أحضرتم الخشب والكرتون؟ .. فكانت تشرح لي مدى الصعوبة التي واجهت الأبناء حتى حصلوا على تلك الكمية القليلة من هذا الكرتون والحطب .. سألتها هل أنهيتي طبخ الدجاج والأرز ونظرت الى داخل المطبخ لأجد بابورين كاز موقدين .. أحدهم يحمل الأرز والآخر الدجاج .. اجتاحتني فرحة غريبة لم أعرف مصدرها حتى اللحظة وتحدثنا كثيراً عن أجدادنا وعن العصر الذي أرجعونا إليه .. ذهبت للبيت الآخر فوجدت أيضاً بابور الكاز يعمل ويبعث في المكان دفء وشعور غريب يبعث في قلبي فرحة لم أعهدها أبداً ..
رجعت الى طعام الغذاء وأكلنا جميعاً ونحن نصارع هذا الحصار بضحكاتنا المسروقة .. ومن ثم جلسنا جميعاً حول بابور الكاز .. كل منا يحكي رواية وقصة عن الأجداد وكيف كانوا وكيف لابد وأن نكون .. ما لفت انتباهي إنه بابور كاز ولكنه لا يعمل في غزة بالكاز ولكن يعمل بالسولار المصري .. هو اسمه بابور كاز ولكنه يعمل بنظام الفتايل .. تختلف الفتايل ويختلف شكلها وتختلف البوابير أيضاً فهذا مصري والآخر هندي وهناك الأصل وهو صيني .. وكله فتايل .. ولكن من يريد المحافظة علي الفتيلة لابد وأن يستعمل الكاز الأبيض وليس السولار ولكن كيف والكاز بعشرة شواكل الليتر في حين أن السولار بشيكلين فقط .. ولكن سعر الكاز بدأ ينحدر ففي غزة لا تجد قيود على الأسعار أبداً الذي يحدد السعر هو التاجر وليس سوى التاجر .. المهم أنا في ذات الجلسة أرسلت واشتريت بابورين كاز بنظام الفتايل .. لم أعلم لماذا اشتريتهم برغم أني قمت بشراء أنبوبة غاز مصرية الصنع فقط للذكرى أيضاً ..
تركت الوقوف أمام موقد الغاز وبدأت أجرب بابور الكاز أستيقظ في الصباح الباكر من أجل أن أشعل البابورين .. واحتمل الاختناق من السولار والمشاكل التي نجم عنها احتراق الفتيل وتيبسه بفعل السولار وأصبح عندي اصرار على المواصلة كي أعيد أمجاد الجد والجدة والجلسة الصباحية ولمة الأسرة والنظر الى اللهب الذي هو من وجهة لنظر غزية يعتبر نعمة لابد وأن نحمد الله عليها .. استنجدت بالأهل وأتى ابن عمي لمساعدتنا ومحاولة تصليح بابور الكاز وابن عمي الكبير ذهب لشراء كاز أبيض لنا ولهم حيث أنه بعد يومين كان سعر ليتر الكاز خمسة شواكل ..
الآن أنا أشعر بملل .. ربما ترقب .. أو خوف .. لا أعلم .. فقط كل ما أعلمه أني أخشى الأيام القادمة .. أخشى ما يضطرنا إليه العالم الخاضع للمزاج الصهيوني .. أحاول أن أعرف كيف وصل العالم الى هذا الخنوع ؟ لماذا ؟
في كل يوم أفتش في كل المواقع عن أخبار غزة وقطاعها المحاصر .. لا جديد .. لا أمل .. لا استجابة .. لا إغاثة .. لماذا ؟
من المسئول ؟ ولماذا كل طرف يلقي بالمسئولية على الطرف الآخر ولا أحد يلقي بالحلول ..
لماذا لا تشفع لنا أعياد أو مواسم .. أطفال رضع أو عجزة وعواجيز .. مرضى أو حجاج أو معاقين ؟ لماذا اعتاد العالم أن يسمع عن حصار غزة وما يحدث في غزة وهو أصم أبكم أعمي ؟
لم أزل أفر من كل الأفكار المتزاحمة في رأسي .. أصعب ما في الحياة أن تشعر أنك خلقت لتموت .. لذلك يجب علينا أن نموت وقوفاً كالأشجار .. أن نموت ونحن الشرفاء .. نموت ونحن نلبس ثوب العز والكرامة ..
كلما قرأت ما هو جديد وجدت أن هناك من يحاول نصرتنا وهناك من يحارب من يناصرنا ... لماذا ؟
من حرم حجاج قطاع غزة من زيارة بيت الله الحرام؟
من حرم شعب قطاع غزة من المساعدات الطبية والانسانية ؟
من يحكم علينا إغلاق المعابر كي يحرمنا الكهرباء والوقود والعلاج ؟
ما أصابني بالدهشة والحزن العميق كلمة تحدث بها شيخ الأزهر السيد طنطاوي لتلفزيون مصر بأنه لا يعلم بأن غزة محاصرة .. ربما لهذا هو صافح بيريز ودعاه لزيارة الأزهر ..
من المفترض أنه غداً هو عيد الله الأكبر كل عام وأنتم بخير ..








said:

said:


said:
said:

said:

said:
























من الأردن